الراغب الأصفهاني

326

الذريعة إلى مكارم الشريعة

أنواع الصبر ومدحه الصبر ضربان : جسمي ونفسي . فالجسمي هو تحمل المشاق بقدر القوة البدنية ونهايته معلومة وأكثرها لذوي الجسوم الخشنة وليس ذلك بفضيلة تامة ولهذا قال الشاعر : والصبر بالأرواح يعرف فضله * صبر الملوك وليس بالأجسام وذلك في الفعل كالمشي ورفع الحجر الثقيل وفي الانفعال كالصبر على المرض واحتمال الضرب والقطع . والثاني نفسي وبه تتعلق الفضيلة ، وذلك ضربان : صبر عن تناول مشتهى ويقال له العفة ، وصبر على تحمل مكروه أو محبوب وذلك تختلف أسماؤه بحسب اختلاف مواقعه ، فإن كان ذلك في نزول مصيبة فإنه لم يتعد به اسم الصبر ، ويضاده الجزع والهلع والحزن ، وإن كان في احتمال غنى فقد يسمى ضبط النفس ويضاده الترفع « 1 » والبطر ، وإن كان في محاربة سمي شجاعة ويضاده الجبن ، وإن كان في إمساك النفس عن قضاء وطر الغضب سمي حلما ويضاده التذمر ، وإن كان في نائبة مضجرة سمي سعة الصدر ويضاده ضيق الصدر والضجر والتبرم ، وإن كان في إمساك كلام في الضمير سمي كتمان السر ويضاده الإفشاء ، وإن كان في الإمساك عن فضولات العيش سمي قناعة وزهدا وهذا يضاده الشره والحرص ، ويكون الصبر عاما قال اللّه تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ « 2 » فذكر أنهم يصبرون في البأساء أي في الفقر ، والضراء أي في المصيبة وحين البأس أي في

--> ( 1 ) في ط « الدقع » ولكن المعنى يقتضي الترفع ضد ضبط النفس . ( 2 ) البقرة / 177 .